تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
105
محاضرات في أصول الفقه
ذلك ولكن ما هو المانع من تغيير هذه العادة ؟ وما هو الدافع لهذا الاحتمال ؟ ومن الطبيعي أنه لا دافع له إلا إدراك العقل قبح ذلك ، وإذا افترضنا أن العقل لا يدرك قبحه ولا مانع عنده من هذا التغيير فإذا ما هو الدافع له ؟ ومن ضوء هذا البيان يظهر بطلان دعوى جريان عادته تعالى على مؤاخذة العاصي وإثابة المطيع أيضا بعين ما قدمناه ( 1 ) ، فلا نعيد . وتوهم أن إثابة المطيع ومؤاخذة العاصي مستندة إلى وعده تعالى ووعيده في كتابه الكريم من الحسنات والسيئات ، والدخول في الجنة والنار ، والحور والقصور ، والويل والعذاب وما شاكل ذلك من ألوان الثواب والعقاب خاطئ جدا . والسبب في ذلك : أنه لا يمكن الوثوق بوعده تعالى ووعيده بعد الالتزام بعدم إدراك العقل قبح الكذب وخلف الوعد عليه سبحانه . فالنتيجة : أن في عزل العقل عن إدراك الحسن والقبح وتجويز ارتكاب الظلم على الله تعالى القضاء الحاسم على أساس كافة الشرائع والأديان . وأما الدعوى الثانية : فلأنها نشأت من الخلط بين حكم العقل العملي وحكم العقل النظري ، وذلك لأن الله تعالى لا يعقل أن يكون محكوما بحكم العقل العملي ، وهو حكم العقلاء باستحقاقه تعالى المدح تارة والذم أخرى على الفعل الصادر عنه في الخارج ، بداهة أنه لا يتصور أن يحكم عليه سبحانه عبيده . وأما العقل النظري فهو كما يدرك وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته التي هي من لوازم علمه وقدرته كذلك يدرك قبح ارتكابه سبحانه الظلم واستحالة صدوره منه ، كيف ؟ حيث إنه مناف لحكمته ، ومن الطبيعي أن ما ينافي لها يستحيل صدوره عن الحكيم تعالى . والسبب في ذلك : أن صدور الظلم من شخص معلول لأحد أمور : الجهل ، التشفي ، العجز ، الخوف ، وجميع ذلك مستحيل في حقه تعالى .
--> ( 1 ) قد مر آنفا فلاحظ .